المشاركات الشائعة

الجمعة، 8 أبريل 2011

السيرة المشمشية .. الفصل الأول

( 1 )
الخدعة .. !



يا سادة .. إنه لما علم سلطاننا العادل ، بأمر هؤلاء الأراذل الأسافل ، وبثرثرتهم الكريهة .. .. وكان يريد أن يظهر له هؤلاء اللائمون ، الذين هم دائما عن الأعين مختفون .. فأضمر في نفسه أمرا .. وعلي الفور إستدعي رجليه .. وزيره زغلول فارع الطول ، وحكيمه نهر فكفكان الصعيد ، وكانا هما أقرب رجاله إليه .. فأسر لهما بما لديه .. وعلي الفور إستحسن الإثنان رأيه وراحا يمدحان رجاحة عقله وذكاءه ، ويحمدان صواب وصحة آراءه .. ويصفقان بأيديهما في إنبهار ، بهذا الرأي العظيم المقدار .. ثم أرسلهما السلطان ليقوم كل منهما بالدور الذي له حدد ..
وحين طلعت شمس النهار ، وإنتشرت الأخبار .. حول شئ عجيب وأمر غريب .. لم يعتد مثله الناس ووجدوا فيه كل ما يريب ..
فقد ظهر النادي في الأسواق ومعه من معه من حملة الطبول والأبواق .. وهو يصيح بأعلي صوته : " أيها الناس .. يا أهل البلاد من الصعيد إلي بلقاس .. إن المفخم مشمش ذو القلب الكبير ، قد قرر القيام بإجراء جديد مثير يطمئن علي أحوال البلاد قلوبكم ، ويريح من الظنون والشكوك بالكم .. ولكي تقرون في هناءة وتبات .. ألا وهو الإنتخابات ..
وقد ظهر لسلطاننا الكبير .. منافس خطير ، هو النقشبندي بدران .. مصارع الثيران .. والذي عاد من الأندلس لتوه ، بعد أن خلب عقول أهلها بتألقه وضووه ، وظهر كذلك منافس ثاني ، لسلطاننا الفسدقياني .. هو الشيخ أبو العياط .. عين أعيان دمياط و أحد الرجال الكبار ، في عالم التجار ..
ولتكون الإنتخابات نزيهة بيضاء ، ستكونتحت إشراف كامل من القضاء .. وقد تحدد موعد بعد شهرين لإقامة الإنتخابات .. وعلي كل الناس الذهاب للإدلاء بالأصوات ، كي يكون لكم دور في تحقيق العدل الذي هو لنا جميعا غاية .. والذي سنتخذه من الآن جميعا شعارا وراية .. هذا ومن حق كل مرشح أن يلتقي بمن يريد من أبناء الشعب ليحدثهم ويحدثوه ، وعن كل ما يريدون معرفته يسألوه وكل هذا خلال الشهرين سالفي الذكر ، فبعدهما ستجري عمليتنا البكر ، وهي عملية الإنتخابات ، والتي لن يسمح أثناءها بأية لقاءات ..
دام عز مولانا مشمش ، الذي قبل تحقيق مصلحة البلاد لا تطرف له عين ولا ترمش .. "
( يا سادة ) .. أنه وبعد أن مر الشهران ، وقد صال وجال بين الناس المتنافسان ، وقد مال الناس إلي الأشهر وهو النقشبندي .. الذي قال : " كلكم ستكونون بمأمن عندي ، فقط إذا ربحت وصرت سلطانكم .. والأمين علي بلادكم وأموالكم .. " فكانوا بإسمه يتغنون وفوزه في الإنتخابات يتمنون ..
وجاء اليوم المنتظر ، وإرتقب الجميع : من المنتصر ..؟ وقد تزاحم الناس وتدافعوا حول البلورات وصناديق الإقتراع .. بينما قال بعضهم ما لهذا من داع ، ما دامت النتيجة مسبقا محسومة ، ولن تتغير حال هذه البلاد المظلومة ..
ولم يتدخل رجال الدرك من الأساس .. بل تركوا الجميع ولم يتدخلوا إلا لتنظيم صفوف الناس ، وكان يوما من الأيام الجيدة في تاريخ البلاد ، سادت فيه الشوري و العدالة بين العباد ..
وعندما جاء وقت المغيب وظهر الشفق .. أعلنت النتيجة علي الجميع لتحسم حالة القلق ، وصاح القاضي : " أيها الأخوة الأعزاء .. لقد شارفت مهمتنا اليوم الإنتهاء ، وظهرت النتيجة التي أنتم لها منتظرين .. فهلموا أعلنوا ولاءكم للسلطان .. النقشبندي بدران ، الذي فاز بإكتساح .. وإمتلك زمام السلطة بلا حرب ولا رفع سلاح .. "
ولم يصدق الناس من فرحتهم ما سمعوا ، وظنوا في البداية أنهم قد خدعوا ، إلا أن المقربين من قصر السلطان أكدوا أنه قد جمع أغراضه للرحيل .. وأنه في طريقه للهرب من البلاد أو هكذا قيل .. بل وقد أوصل الناس بأنفسهم السلطان بدران إلي قصره ، وتركوه الليلة يبيت ليدبر أمره ، مع وعد أن يأتوا إليه غدا بجمع غفير ، من المشتاقين للتغيير ليهنئوه علي موقعه الذي تمناه ليحقق لكل واحد من الناس مراده ومبتغاه ..
وعندما أصبح الصباح ،تجهزوا علي الفور وأعدوا العدة ، وإنطلقوا قاصدين القصر والسدة ، وعلي رأسهم كل المنتقدين ، الذين كانوا للتغيير مشتاقين ، وعزموا علي تهنئة السلطان الجديد .. فقط ليفاجئوا عند وصولهم بأصفاد من حديد ، تنتظرهم ليلبسونها .. وأغلقت عليهم ابواب القصر وظلوا واقفين في حيرة وذهول من هذا الأمر .. حتي طلع عليهم سلطان السلاطين ..
وكان هو ..
المفخم مشمش شخصيا ..
وكان باسم الثغر يضحك بملء فيه .. والناس يحدقون ذاهلين فيه وقال لهم : " أقسمت أن أخرجكم من جحوركم ، لأنتقم منكم وأقطع رقابكم ، وما كان كان خدعة صدقتموها ، وكأس خمر شربتموها ، وقد حان وقت العقاب .. "
ولكن السلطان - دام عزه - لم يكن علي علم حينها بأن أحد الحاضرين كان يضمر في نفسه أمر لا يتوقعه أحد .. أمر سيكون له أكبر الأثر في كل ما سيحدث بعد ذلك ..

يتبع ..

ذهاب إلي : المقدمة ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق